ابن أبي الحديد

97

شرح نهج البلاغة

المحسوسات ، فإن ذلك مانع للنفس عن أن يصيبها سهام الهوى ، كما تمنع الدرع الدارع عن أن يصيبه سهام الرماية . ثم عاد إلى صفة هذا الشخص ، فقال : ( وأخذ بجميع أدبها من الاقبال عليها ) ، أي شدة الحرص والهمة . ثم قال : ( والمعرفة بها ) ، أي والمعرفة بشرفها ونفاستها . ثم قال : ( والتفرغ لها ) ، لان الذهن متى وجهته نحو معلومين تخبط وفسد ، وإنما يدرك الحكمة بتخلية السر من كل ما مر سواها . قال : ( فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها ) ، هذا مثل قوله عليه السلام : ( الحكمة ضالة المؤمن ) ، ومن كلام الحكماء : لا يمنعك من الانتفاع بالحكمة حقارة من وجدتها عنده ، كما لا يمنعك خبث تراب المعدن من التقاط الذهب . ووجدت بخط أبى محمد عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله في تعاليق مسودة أبياتا للعطوي ، وهي : قد رأينا الغزال والغصن والنجمين شمس الضحى وبدر التمام فوحق البيان يعضده البرهان * في مأقط شديد الخصام ( 1 ) ما رأينا سوى المليحة شيئا * جمع الحسن كله في نظام هي تجرى مجرى الأصالة في الرأي * ومجرى الأرواح في الأجسام . وقد كتب ابن الخشاب بخطه تحت ( المليحة ) : ما أصدقه إن أراد بالمليحة الحكمة ! قوله عليه السلام : ( وحاجته التي يسأل عنها ) ، هو مثل قوله : ( ضالته التي يطلبها . ثم قال : ( هو مغترب إذا اغترب الاسلام ) ، يقول هذا الشخص يخفى نفسه ويحملها

--> ( 1 ) المأقط : ساحة القتال .